أبو عباس محمد بن يزيد المبرد ( المبرد النحوي )
78
الكامل في اللغة والأدب
السحاب إلا من رياح . وتصديق ذلك قول اللّه عز وجل : اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً ، « 1 » وقول النبي صلى اللّه عليه وسلم إذا هبّت بحريّة ثم تذاءبت ، قال الشاعر : تسحّ إذا تذاءبت الرّياح ، يقول إذا تقابلت ، يقال تذاءبت الرياح ، وتناوحت أي تقابلت وتناوح الشجر إذا قابل بعضه بعضا . وإنما سميت النائحة نائحة لأنها تقابل صاحبتها فإذا خلصت الريح عندهم دبورا فهي من جنس البوار وإذا خلصت شمالا شتويّة فهي من آيات الجدب . ومن ثمّ تقول العرب : فلان يطعم في الشّمال كما تقول يطعم في المحل . قال أوس بن حجر . وعزّت الشمال الرياح ، أي غلبتها . فكانت أقوى منها فلم تدع لها موضعا . وقوله تعالى : وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ « 2 » أي غلبني في المخاطبة والخصومة ومن أمثال العرب من عزّ بزّ وتأويله من غلب سلب . قالت الخنساء : كأن لم يكونوا حمى يتّقى * إذا الناس إذا ذاك من عزّ بزّا قال أبو العباس وحدثني عمرو بن بحر الجاحظ قال رأيت رجلا من غنيّ « 3 » يفاخر رجلا من بني فزارة ، ثم أحد بني بدر بن عمرو وكان الغنويّ متمكّنا من لسانه « 4 » وكان الفزاريّ بكيّا . فقال الغنوي ماؤنا ما بين الرّقم إلى كذا وهم جيراننا فيه فنحن أقصر منهم رشاء وأعذب منهم ماء لنا ريف السّهول ومعاقل الجبال وأرضهم سبخة ومياههم أملاح وأرشيتهم طوال والعرب إذ ذاك بمن عزّبزّ فبعزّنا تخيّرنا عليهم وبذلّهم ما رضوا عنا بالضّيم . قوله كان الفزاريّ بكيا يقول غير قادر على الكلام وأصل ذلك في الحلب يقال ناقة بكيّ وهي ضد الغزيرة أي قليلة اللبن ، ودهين وصمرد « 5 » في معنى . يقال : بكأت الشاة
--> ( 1 ) سورة الروم : الآية رقم 48 . ( 2 ) سورة ص : الآية رقم 23 . ( 3 ) غني : حي من غطفان . ( 4 ) متمكنا من لسانه : كناية عن فصاحته وقدرته على إقامة حجته على خصمه . ( 5 ) الصمرد بالكسر يقال للناقة التي قلّ لبنها والتي كثر فيها فهو صده وأما الدهبن بفتح الدال فهي قليلة اللبن ليس غير .